أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

95

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يجوز أن يعود على الانذار المفهوم من « نذير » وأن يعود على الدين الذي هو الملة ، وأن يعود على التبليغ . وقرىء : « بطارد الّذين » بتنوين طارد . قال الزمخشري : « على الأصل » « 1 » . « يعني : أن أصل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال العمل ، وهو ظاهر قول سيبويه . قال الشيخ « 2 » : « ويمكن أن يقال : إنّ الأصل الإضافة لا العمل ، لأنه قد اعتوره شبهان . أحدهما : لشبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه ، والآخر شبهه بالأسماء إذ كانت فيه الإضافة ، فكان الحاقه بجنسه أولى . وقوله : إِنَّهُمْ مُلاقُوا استئناف يفيد التعليل . قوله تَجْهَلُونَ صفة لا بد منها ، إذ الإتيان بهذا الموصوف دون صفته لا يفيد ، وأتى به فعلا ليدل على التجدد في كل وقت . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 31 إلى 35 ] وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 31 ) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) قوله : تَزْدَرِي . تفعيل من : زرى يزري ، أي : حقر ، فأبدلت تاء الافتعال دالا بعد الزاي وهو مطرد ، ويقال : أزريت عليه إذا عبته وأزريت به أي : قصّرت به وعائد الموصول محذوف أي : تزدريهم أعينكم ، أي : تحتقرهم وتقصر بهم قال الشاعر : 2677 - ترى الرّجل النّحيف فتزدريه * وفي أثوابه أسد هصور « 3 » وقال أيضا : 2678 - يباعده الصّديق وتزدريه * حليلته وينهره الصّغير « 4 » واللام في « للّذين » للتعليل أي : لأجل الذين ، ولا يجوز أن تكون التي للتبليغ ، إذ لو كانت ، لكان القياس : يؤتيكم . وقوله : وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ الظاهر أن هذه الجملة لا محل لها عطفا على قوله : « وَلا أَقُولُ لَكُمْ » كأنه أخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث . وقد تقدم في الأنعام « 5 » أن هذا هو المختار ، وأن الزمخشري قال : « إنّ قوله تعالى « وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » معطوف على « عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ » ، أي لا أقول : أنا أعلم الغيب » . قوله : جِدالَنا .

--> ( 1 ) أنظر الكتاب ( 1 / 164 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 218 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 218 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 218 ) ، والقرطبي ( 9 / 27 ) . ( 5 ) آية : رقم ( 8 ) .